العفو الرئاسي عن محمد أمين بلغيث: قراءة في فلسفة الدولة العاقلة وتكريس السيادة الجزائرية الجديدة

لم يكن المرسوم الرئاسي الذي أصدره رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، والقاضي بالعفو الكلي عن باقي العقوبة في حق البروفيسور محمد أمين بلغيث، مجرد قرار إجرائي أو بادرة إنسانية فردية. إنه حدث تأسيسي بامتياز يتجاوز حدود الحالة القانونية ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمفهوم “الجزائر الجديدة” ككيان سياسي يختار التسامي الأخلاقي والعقلانية السياسية في إدارة أصعب الملفات: العلاقة بين الدولة والمثقف الناقد. إن العفو، حين يصدر عن دولة واعية، ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات السيادة المتحضرة وأرقى تجليات الثقة بالنفس المؤسسية. يقدم هذا القرار نموذجًا عمليًا لما يمكن تسميته بـ”الدولة العاقلة” في مواجهة منطق “دولة الانفعال” و”دولة التشكيك والتشفي”.
في سياق التحليل الاستراتيجي، لا يُقرأ العفو على أنه غياب للسلطة، بل كتعبير عن أسمى صلاحيات السيادة. الدولة التي تعفو في أوج قوتها، هي دولة واثقة من شرعيتها، وليست دولة تخشى تداعيات الحوار أو الاختلاف الفكري. يؤكد هذا القرار على انتصار نموذج “الدولة العاقلة” التي تدرك أن الرأسمال الرمزي يتراكم عبر ممارسات التسامي لا القمع. كلفة الصراع الفكري واستنزاف النخب أعلى بكثير من فائدة الحوار المنظم والمؤسسي، وبذلك، يؤسس القرار لـ “اقتصاديات العفو” التي تجعل الحكمة هي الخيار الاستراتيجي الأقل كلفة. ويمكن وضع قرار العفو عن البروفيسور بلغيث ضمن سلسلة تطور فريدة في إدارة الاختلاف بالجزائر، تمتد من المصالحة الوطنية في 1999/2005 (التسامح مع المختلف أمنيًا وسياسيًا)، وصولاً إلى هذا القرار في 2025 (التسامح مع المختلف فكريًا)، مما يشير إلى الانتقال من التسامح الاستثنائي إلى التسامح كفلسفة حكم متكاملة.
من منظور دستوري وقانوني، العفو الرئاسي ليس “تلاعبًا بالقانون” بل هو ممارسة لـ أسمى صلاحيات السيادة، ويمثل توازنًا متقدمًا بين مقتضيات العدالة كقيمة مطلقة ومتطلبات الاستقرار الوطني والحاجة لخفض منسوب الاحتقان. إن ممارسة رئيس الجمهورية لهذه الصلاحية في هذا التوقيت تؤكد دوره كضامن لـ وحدة الأمة، وتؤسس لمبدأ أن السيادة تستخدم سلطتها العليا لإعادة دمج الكفاءات وليس لإقصائها. أما على المستوى الاجتماعي-الثقافي، فإن العفو عن قامة أكاديمية وفكرية بحجم البروفيسور محمد أمين بلغيث، المعروف بوطنيته وعمقه الفكري، هو بمثابة إعلان دستوري غير مكتوب يؤكد أن الجزائر لا تحارب الأفكار بالسجون، بل تناقشها في فضاءات الجامعة والمؤسسات، وأن النخبة الفكرية شريك في البناء وليس خصمًا. هذه الخطوة تفتح الباب أمام تأسيس ثقافة حوار حقيقية، وتمنع استنزاف العقول في صراعات جانبية، وتوجه رسالة قوية للداخل والخارج: الدولة الجزائرية أقوى من أن تهزها آراء، وأعظم من أن تستفزها انتقادات. في الختام، يكرس هذا القرار فلسفة “الجزائر الجديدة” كـ “دولة جامعة” تستوعب الاختلاف في إطار الثوابت الوطنية، وتتبنى التصالح الاستباقي كاستراتيجية لمنع تحول الخلاف إلى صراع، مؤكدةً أن الحكمة هي جوهر السيادة الجزائرية الجديدة.
بقلم شهيناز ربيب




