الدولي

بين طموح واشنطن ودستور روما.. صراع الصلاحيات يربك تشكيل القوة الدولية في غزة.

بقلم شهيناز ربيب

تشهد الساحة الدولية حراكاً ديبلوماسياً مكثفاً تقوده واشنطن لتشكيل ملامح “مجلس السلام” الدولي، وهو الكيان الذي تعول عليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وفي هذا السياق، كشفت تقارير حديثة نقلتها وكالة “بلومبرج” عن توجيه الولايات المتحدة دعوة رسمية لإيطاليا للانضمام إلى هذا المجلس كعضو مؤسس، في خطوة تعكس الرغبة الأمريكية في إشراك قوى أوروبية وازنة تمنح القوة الدولية المقترحة شرعية وتعدداً في الهوية. ومع ذلك، اصطدم هذا الطموح بعقبات دستورية قانونية أثارتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي أكدت بوضوح أن بلادها لا يمكنها الانخراط في منظمات دولية لا تضمن مبدأ المساواة الكاملة بين الأعضاء، حيث ترى روما أن النظام الأساسي الحالي للمجلس يمنح الرئيس الأمريكي صلاحيات تنفيذية واسعة النطاق تتجاوز الأطر التقليدية للتعاون الدولي المتعارف عليها، مما يضع القيادة الإيطالية أمام مأزق قانوني يحتاج إلى تعديلات جوهرية في بنود المجلس قبل اتخاذ أي خطوة رسمية بالانضمام.

​وتأتي هذه التحركات تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي الصادر في نوفمبر 2025، والذي منح تفويضاً صريحاً لإنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة في غزة، تكون بمثابة العمود الفقري للمرحلة الثانية من خطة ترامب لإنهاء الصراع، إلا أن هذا المشروع يواجه تعقيدات أمنية وسياسية بالغة الحساسية على أرض الواقع، إذ تثار تساؤلات مشروعة حول المرجعية التي ستستند إليها هذه القوة، وحدود مهامها في ظل مشهد محلي متداخل ومثقل بالدمار والتوترات. وما يزيد من حدة الجدل حول “مجلس السلام” هو البعد المالي المرتبط بالعضوية الدائمة، حيث تشير التقارير إلى أن العضوية الدائمة في هذا المجلس مشروطة بتقديم مساهمة مالية تصل إلى مليار دولار، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة التحالفات القادمة وهل ستكون مبنية على الشراكة السياسية أم على القدرة التمويلية، خاصة وأن واشنطن وجهت الدعوة لـ 60 دولة للمشاركة في هذا الكيان الذي يطمح للإشراف على الحكم في غزة وربما التوسع ليشمل حل نزاعات إقليمية أخرى في المستقبل.

​إن الإصرار الأمريكي على إطلاق هذه القوة الدولية يعكس رغبة في خلق واقع جديد يتجاوز الأزمات الحالية، لكن التحفظ الإيطالي يبرز حجم الفجوة بين الطموح الأمريكي والواقع التشريعي للدول الحليفة، فالمطالبة بتعديل ميثاق “مجلس السلام” ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي محاولة لإعادة توازن القوى داخل المجلس لضمان عدم انفراد طرف واحد بالقرار، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه المفاوضات بين ميلوني وترامب، فهل ستنجح واشنطن في تليين شروطها لاستقطاب القوى الأوروبية، أم أن التعقيدات الدستورية والميدانية ستجعل من تشكيل هذه القوة مهمة شاقة تتجاوز الجداول الزمنية الموضوعة لها؟ يبقى مستقبل قطاع غزة رهيناً بهذه التفاهمات الكبرى التي تحاول صياغة نظام إقليمي جديد تحت مظلة دولية تتسم بالغموض في آليات تنفيذها والقوة في طموحاتها السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى