أقلام الجزائر

قصر رياس البحر… تحفة عثمانية على ضفاف المتوسط تروي تاريخ الجزائر

يُعد قصر رياس البحر أحد أبرز المعالم التاريخية في الجزائر العاصمة، وواحدًا من الرموز المعمارية التي تجسد تفاعل المدينة مع البحر الأبيض المتوسط عبر العصور. هذا القصر ليس مجرد مبنى أثري، بل هو شاهد على تاريخ الجزائر البحري، وجسر يربط بين الماضي والحاضر، يجمع بين الجمال المعماري والدور الثقافي الحديث.

يقع قصر رياس البحر في الواجهة البحرية للعاصمة الجزائرية، في موقع استراتيجي كان يومًا قلب النشاط البحري والتجاري خلال العهد العثماني. من شرفاته، يمكن للزائر أن يطل مباشرة على زرقة البحر، في مشهد يختصر عبق التاريخ وسحر المتوسط.

تشير المصادر التاريخية إلى أن بناء قصر رياس البحر يعود إلى القرن الثامن عشر، عندما أمر الديوان البحري الجزائري بتشييده ليكون مقرًا لإقامة قادة الأسطول البحري المعروفين باسم الرياس.

وقد شهد القصر توسعات خلال عهد الريّس حميدو بن علي، أحد أعظم القادة البحريين في تاريخ الجزائر، الذي ساهم في تعزيز التحصينات البحرية المحيطة بالموقع لمواجهة الهجمات الأوروبية آنذاك.

يمتاز قصر رياس البحر بتصميم معماري فريد يمزج بين الطراز العثماني والتأثيرات المتوسطية. تتوزع غرف القصر حول باحات داخلية مزينة بالنوافير والأعمدة الرخامية، بينما تزين جدرانه زخارف جبسية وخشبية دقيقة الصنع.

وتطل شرفاته الساحرة على البحر مباشرة، مما يمنح المكان طابعًا يجمع بين الفخامة والجمال الطبيعي، في مشهد لا يُنسى لكل من يزوره.

يتكون مجمع رياس البحر من ثلاثة قصور رئيسية وعدة أجنحة صغيرة مترابطة بممرات ضيقة وسلالم داخلية تعكس طابع العمارة الدفاعية القديمة. كما يضم الموقع حصنين دفاعيين هما:برج الفنار، برج الكرّاغة

وكانا يشكلان معًا درعًا بحريًا لحماية العاصمة من الهجمات الأجنبية في القرون الماضية.

بعد استقلال الجزائر، خضع قصر رياس البحر لعمليات ترميم دقيقة بإشراف وزارة الثقافة والفنون الجزائرية، ليتم تحويله إلى مركز الفنون والثقافة “قصر رياس البحر”.

أصبح القصر اليوم فضاءً مفتوحًا يحتضن المعارض التشكيلية، والندوات الفكرية، والأنشطة التراثية والفنية التي تهدف إلى الحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعريف الأجيال الجديدة بعمق التاريخ الجزائري.

وفي السنوات الأخيرة، توسعت مهام القصر ليصبح أيضًا فضاءً مخصصًا للأطفال، حيث تُنظم داخله ورشات فنية وتربوية في مجالات الرسم، والمسرح، والحكاية الشعبية، والفنون التقليدية.

هذه الأنشطة التفاعلية تهدف إلى غرس قيم الانتماء وحب الوطن في نفوس الأطفال، وتعريفهم بأهمية الحفاظ على التراث الجزائري بأسلوب مبسط وممتع.

اليوم، يقف قصر رياس البحر كرمز حيّ يجمع بين القيمة التاريخية والمعمارية من جهة، والدور الثقافي والتربوي من جهة أخرى. فهو ليس مجرد موقع أثري، بل مركز إشعاع ثقافي وسياحي يعزز مكانة الجزائر كوجهة للحضارة والفنون.

إن زيارة هذا القصر تمنح الزائر فرصة فريدة لاكتشاف عبق التاريخ العثماني والتعرف على روح الجزائر الأصيلة المطلة على المتوسط.

بقلم شهيناز ربيب

زر الذهاب إلى الأعلى