الدولي

حين يكتب مجلس الأمن مستقبل غزة: قراءة في أخطر قرار أممي منذ عقود

يشكل اعتماد مجلس الأمن الدولي للقرار 2803 بشأن إدارة قطاع غزة نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة الفلسطينية، خاصة أنه يأتي في ظرف إقليمي حساس يشهد تصاعداً غير مسبوق في التوترات العسكرية والسياسية. فالقرار، الذي دعم خطة أمريكية تتعلق بمرحلة انتقالية في غزة، طُرح دولياً كخطوة نحو الاستقرار، لكنه في العمق يعكس تفاعلات جيوسياسية أوسع تتجاوز حدود القطاع لتشمل كامل الشرق الأوسط. ورغم تقديمه كإطار لحماية المدنيين وتثبيت وقف إطلاق النار، إلا أن القراءة المعمقة لمضمونه تُظهر أنه يتعامل مع غزة كملف أمني أكثر منه قضية تحرر وطني، ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول السيادة والشرعية وتوازن المصالح الدولية.

يعترف القرار بشكل غير مباشر بواقع السيطرة الميدانية الإسرائيلية على مناطق واسعة من القطاع، وهو اعتراف يثير القلق بشأن مستقبل الإدارة الانتقالية المقترحة، خاصة أنها قد تتحول إلى وسيلة لإعادة إنتاج الواقع القائم بدلاً من تغييره. فبينما يشدد الخطاب الدبلوماسي على ضرورة التهدئة، يتجنب النص الإشارة بوضوح إلى إنهاء الاحتلال، ويركز بدلاً من ذلك على ترتيبات أمنية تنسجم مع الرؤية الأمريكية لحل الصراع. ويأتي ذلك في وقت تعاني فيه غزة من دمار واسع وتداعيات إنسانية خطيرة، ما يجعل أي مشروع سياسي غير قائم على العدالة معرضاً للفشل قبل أن يبدأ.

تتجاوز القضية حدود غزة لتصبح جزءاً من معادلة إقليمية معقدة. فالوضع في القطاع بات مرتبطاً بملفات تمتد من اليمن ولبنان إلى العراق وسوريا، مع حضور واضح لقوى إقليمية داعمة للمقاومة، الأمر الذي يجعل أي تحرك دولي بشأن غزة ذا تأثير مباشر على استقرار المنطقة. ولهذا، فإن تجاهل البعد السيادي الفلسطيني في أي صياغة سياسية أو أمنية، سواء عبر لجنة تكنوقراطية أو إدارة مدنية انتقالية، يمثل نقطة ضعف خطيرة تهدد بإعادة إنتاج أخطاء سابقة لم تحقق استقراراً ولا سلاماً.

في الوقت نفسه، تدفع الولايات المتحدة نحو إعادة تشكيل إدارة القطاع بما يتوافق مع تصورها للأمن الإقليمي، وهو تصور يقوم على تقليص قدرات الفصائل المسلحة وفرض ترتيبات جديدة للحدود والمعابر. وتخشى أطراف فلسطينية من أن يؤدي ذلك إلى تكريس واقع التجزئة داخل القطاع وإضعاف القرار الوطني، فيما ترى واشنطن أن هذه المقاربة ضرورية لمنع انفجار إقليمي أوسع. ومع ذلك، تبقى الأسئلة حول مستقبل السيادة الفلسطينية مطروحة بقوة، خاصة أن مشاريع الانتقال السابقة لم تُفضِ إلى حلول دائمة.

أما الجزائر، فقد برز دورها داخل مجلس الأمن كعامل مؤثر في صياغة النقاش حول القرار. ورغم تصويتها لصالح القرار بهدف المحافظة على وقف إطلاق النار، فإن الموقف الجزائري كان واضحاً في رفض أي شرعية للاحتلال، وفي التأكيد على ضرورة حماية المدنيين وضمان الحقوق الفلسطينية وفق الشرعية الدولية. هذا الحضور الدبلوماسي أعاد إحياء النقاش حول دور الدول العربية داخل المؤسسات الأممية، وذكّر بالتزام الجزائر التاريخي بمبادئ التحرر وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

يبدو المشهد المستقبلي مفتوحاً على عدة سيناريوهات، إذ قد يؤدي القرار إلى تخفيف نسبي للتوتر إذا تمت إدارته وفق رؤية عادلة ومتوازنة، لكن من المحتمل أيضاً أن يتسبب في مرحلة جديدة من الاحتكاك السياسي والعسكري إذا استُخدم لترسيخ واقع السيطرة الميدانية بدلاً من إنهاء الاحتلال. وتبقى الملفات الأكثر حساسية مرتبطة بمدى قدرة الإدارة الانتقالية على ممارسة صلاحيات حقيقية، ومدى التزام الأطراف الدولية بضمان حقوق الفلسطينيين، إضافة إلى مدى استعداد الفاعلين الإقليميين للتعاون أو التصعيد.

في المحصلة، يمثل القرار 2803 خطوة سياسية ذات تأثير واسع، لكنه ليس نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة للمصالح الإقليمية والدولية. ويظل مستقبل غزة مرهوناً بمدى التزام العالم بالعدالة واحترام القانون الدولي، وبمدى قدرة الفلسطينيين على فرض حضورهم في المعادلة السياسية. فبدون معالجة جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والتهجير والحرمان من السيادة، لن يكون لأي قرار أممي القدرة على خلق سلام حقيقي أو استقرار دائم في المنطقة.

بقلم شهيناز ربيب

زر الذهاب إلى الأعلى