الدولي

فرنسا خارج اللعبة مع الجزائر… دبلوماسية الفتنة تسقط أمام ثقل الذاكرة التاريخية

تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية مرحلة حساسة تتسم بتراجع واضح في قدرة باريس على التأثير في مسار الشراكة الثنائية، بعدما وجدت نفسها – وفق توصيف الوزير الأول الفرنسي الأسبق دومينيك دوفيلبان – “خارج اللعبة” بسبب خيارات دبلوماسية وصفها بـ“الفتنة” وغير القادرة على بناء الثقة أو استعادة التوازن مع الجزائر. هذا التشخيص السياسي العميق أعاد فتح ملف الذاكرة الثقيلة الممتد لـ132 سنة من الاستعمار وما حمله من جرائم وظلم واحتقار، وهو الملف الذي يشكل حتى اليوم حجر العثرة الأكبر أمام أي تقارب حقيقي بين البلدين.

دوفيلبان، أحد أبرز مهندسي الدبلوماسية الفرنسية في عهد جاك شيراك، شدّد في حديثه لقناة “LCI” على أن العلاقات لا يمكن أن تتقدم دون مواجهة الماضي بشجاعة سياسية. وأكد أن الهدوء السائد حالياً بين الجزائر وباريس لا يعكس حلاً للأزمة، بل مجرد خفض محدود للتوتر نتيجة انسحاب فرنسا من سياسة “القبضة الحديدية” التي كان يتبناها وزير الداخلية السابق برونو روتايو. هذه المقاربة، التي أفرزت صدامات دبلوماسية متتالية، أثبتت فشلها حتى داخل الأوساط السياسية الفرنسية، بعدما أدت إلى خسارة باريس لأوراقها التقليدية في تعاملها مع الجزائر.

ويرى دوفيلبان أن الإصرار على خطاب التصعيد واعتماد سياسة الضغط لن يقود إلا إلى مزيد من العزلة، مشيراً إلى أن “دبلوماسية الفتنة” التي حاول البعض استغلالها لم تُسهم سوى في تدهور العلاقات، بينما يظل الحل في الابتعاد عن خلق العراقيل واعتماد حوار قائم على الثقة والاحترام المتبادل. كما دعا إلى التعامل بجدية مع الملفات الحساسة، وعلى رأسها ملف الذاكرة الذي يعتبره مفتاح أي مستقبل مشترك، مؤكداً أن الاعتراف الصريح بمرحلة الاستعمار وجرائمها هو القاعدة الضرورية لأي صفحة جديدة.

وتعيش الساحة السياسية في فرنسا اليوم حالة انقسام حاد بين تيار يطالب بالمواجهة والتشدد بحجة الدفاع عن “الهيبة الفرنسية”، وتيار آخر يحرص على تبني مقاربة واقعية تعترف بأن الجزائر لم تعد الدولة التي يمكن التأثير فيها بالأساليب القديمة. وفي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس إيمانويل ماكرون منذ 2017 إلى تقديم مبادرات تهدف إلى تهدئة ملف الذاكرة، إلا أن معارضة اللوبيات اليمينية واليمينية المتطرفة حدّت من قدرته على تحقيق اختراق حقيقي في هذا الاتجاه.

في المقابل، بدأت بعض القوى الأوروبية تستشعر أهمية التوازن في علاقة بروكسل بالجزائر، وهو ما أشار إليه دوفيلبان حين تحدث عن الدور الذي يمكن أن تلعبه ألمانيا في تعديل اتفاق الشراكة بين الجزائر والاتحاد الأوروبي. ويتزامن ذلك مع مطالب جزائرية متكررة بمراجعة الاتفاق بما يضمن مصالحها الاقتصادية والتجارية ويحمي أسواقها من اختلالات التبادل غير المتوازن.

إن مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية سيعتمد، وفق مراقبين، على قدرة باريس على تجاوز خطاب الماضي والاعتراف بالمسؤولية التاريخية والابتعاد عن سياسات الضغط. وفي ظل التغييرات الجيوسياسية في منطقة الساحل والصحراء الغربية وتعاظم الدور الجزائري إقليمياً، بات من الضروري لفرنسا أن تتبنى مقاربة أكثر عقلانية، وأن تدرك أن زمن الهيمنة قد انتهى وأن الشراكة لا يمكن أن تُبنى إلا على الندية والاحترام الكامل للسيادة والذاكرة.

بقلم شهيناز ربيب

زر الذهاب إلى الأعلى