أقلام الجزائر

من الوجع الفردي إلى الوعي الجماعي

قراءة في كتاب «الوطن لا ذنب له» لسمير غربي

لا يندرج كتاب «الوطن لا ذنب له» للكاتب سمير غربي ضمن خانة السيرة الذاتية الكلاسيكية، بقدر ما يصنف كنص أدبي-فكري يلامس الذاكرة الوطنية من زاوية إنسانية عميقة، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى مرآة تعكس أسئلة جيل كامل عاش التحولات القاسية للجزائر المعاصرة.

الكتاب، الصادر عن دار العكاظية للنشر والتوزيع، لا يراهن على الحكي الخطي ولا على استدرار العاطفة، بل يقدم شهادة داخلية صادقة، تنبني على التفكيك والتحليل، وتبحث في العلاقة الشائكة بين الفرد والوطن، بين الخيبة والانتماء، وبين الألم والإيمان بالمعنى.

طفولة في زمن الخوف

يفتتح الكاتب عمله بالعودة إلى سنوات الطفولة خلال العشرية السوداء، لا بوصفها ذكرى بعيدة، بل كأثر نفسي ظل فاعلا في تشكيل الوعي. فالطفل الذي شاهد العنف والقتل دون قدرة على الفهم، تحول لاحق إلى إنسان يطرح أسئلة كبرى حول النجاة، والخوف، ومعنى الاستمرار هذا الجزء لا يكتفي بوصف المشاهد، بل يحاول قراءة انعكاساتها العميقة على النفس الجزائرية، وكيف تصنع الأزمات وعي صامت يتشكل ببطء.

حين يصبح الوطن ممارسة

في محطة مفصلية من الكتاب، ينتقل السرد إلى تجربة الالتحاق بـ الجيش الشعبي الوطني، حيث تتغير نظرة الكاتب إلى الوطن من مفهوم نظري إلى تجربة معيشة. هنا، تبرز الوطنية كالتزام يومي لا كشعار، ويستعاد التاريخ الوطني بوصفه مصدر قوة وشرعية، من خلال استحضار رموز الثورة التحريرية، وفي مقدمتهم الشهيد العربي بن مهيدي. في هذا السياق، تتبلور فكرة مركزية مفادها أن الوطن ليس ملك يباع أو يساوم عليه، بل مسؤولية جماعية وأمانة تاريخية.

الحياة الخاصة… معركة أخرى

في القسم الأخير، ينزاح النص نحو التجربة الشخصية للكاتب بعد خروجه من الخدمة الوطنية، حيث يتناول بناء الأسرة كامتداد للنضال، لا كمساحة راحة ، فالزواج والحب يقدمان كقوة مقاومة في وجه واقع اجتماعي واقتصادي قاس، وتصبح الحياة اليومية ساحة أخرى لاختبار الصبر والمعنى والاستقرار.

كتابة الوجع لصناعة الوعي

وفي حديثه عن هذا العمل، أوضح سمير غربي أن الكتاب ينتمي إلى السيرة الذاتية الأدبية، ويمثل تجربة أولى في الطباعة والنشر، مدفوعة بشغفه بالقراءة ورغبته في التعبير عن الذات بأسلوب أدبي حر. ويضم الكتاب أكثر من 5000 كلمة، موزعة على فصول قصيرة، يتكامل فيها السرد مع التأمل والنصيحة والوصف.

لا يمكن قراءة «الوطن لا ذنب له» كنص حنين أو بكاء على الماضي، بل كعمل نقدي هادئ يواجه الأسئلة المؤلمة بجرأة، ويصل إلى خلاصة واضحة أن الأوطان لا تخون أبناءها، بل يُساء فهمها حين يغيب الوعي وتضعف المسؤولية. إنه كتاب يكتب الألم لا ليستسلم له، بل ليحوّله إلى وعي، ويستدعي الذاكرة لا ليقدسها، بل ليعيد فهمها.

مريم راتب

زر الذهاب إلى الأعلى