سبوع ثقافي يعيد تقديم الموروث المنيعي عبر الفلكلور والحرفة والشعر والكتاب والمسرح والفن التشكيلي


من المنيعة إلى القالة.. الثقافة تحمل ذاكرة الجنوب إلى الشرق
أسبوع ثقافي يعيد تقديم الموروث المنيعي عبر الفلكلور والحرفة والشعر والكتاب والمسرح والفن التشكيلي، ويحوّل التبادل الثقافي إلى جسر للتعريف بتنوع الجزائر
لم تأتِ ولاية المنيعة إلى ولاية الطارف للمشاركة في تظاهرة ثقافية عابرة، وإنما حملت معها جزءًا من ذاكرتها الجماعية، في رحلة ثقافية من الجنوب إلى الشرق، أعادت من خلالها تقديم ملامح المجتمع الصحراوي عبر الفنون الشعبية، والصناعات التقليدية، والشعر والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي والكتاب.
وتحت شعار «لكل ولاية حكاية، فن وإبداع»، احتضن متحف المرجان للتراث الثقافي بمدينة القالة فعاليات الأسبوع الثقافي لولاية المنيعة، في تظاهرة جمعت فاعلين من مختلف مجالات الثقافة، وفتحت أمام الجمهور الطارفي نافذة على خصوصيات الموروث المنيعي، بما يحمله من تنوع وتراكم تاريخي ورمزي.
البارود والدندون.. افتتاح بإيقاع الجنوب
منذ لحظات الافتتاح، فرضت الثقافة الصحراوية حضورها من خلال العروض الفلكلورية التي قدمتها جمعية «الشروق لفن البارود» لولاية المنيعة، إلى جانب فقرات من الأغنية الصحراوية ورقصة الدندون، في مشهد استعاد طقوسًا من الذاكرة الشعبية المرتبطة بالأعراس والمناسبات والاحتفالات الجماعية.
ولم تكن هذه العروض مجرد لوحات استعراضية، بل حملت أبعادًا مرتبطة بالهوية والذاكرة الشفوية، وقدمت نموذجًا لكيفية انتقال الموروث من فضائه المحلي إلى فضاء وطني أوسع.
وأكد ياسين العابد، محافظ المهرجان الثقافي المحلي للفنون والثقافات الشعبية لولاية المنيعة، أن المشاركة ترمي إلى التعريف بالخصوصية الثقافية للولاية وإبراز ثراء موروثها الصحراوي، معتبرًا أن التبادل الثقافي بين الولايات يمثل فرصة لنقل الموروث المحلي إلى جمهور جديد وتعزيز التعارف بين مختلف مناطق الوطن.
القصر القديم.. الحرفة حين تصبح وثيقة للذاكرة
وفي الجناح التراثي، حضرت رمزية القصر القديم باعتباره أحد أبرز الشواهد على الذاكرة التاريخية والعمرانية والاجتماعية للمنطقة، فيما قدمت العارضة زيدان كريمة نماذج من الصناعات التقليدية، خاصة المنتوجات المصنوعة من الصوف والجلود، وفي مقدمتها زربية القصر القديم.
كما ضم الجناح نماذج من الأدوات التقليدية، بينها القربة والشكوة، إلى جانب الألبسة الصحراوية، وفي مقدمتها الملحفة النسائية والبرنوس والشاش الرجالي.
وتكشف هذه المعروضات، بعيدًا عن قيمتها الجمالية، عن علاقة الإنسان الصحراوي ببيئته، وكيف تمكن من تحويل المواد المتاحة في محيطه إلى أدوات للحياة اليومية ومنتجات ذات قيمة فنية ورمزية.
وقد سجلت التظاهرة حضور المفتش العام لولاية الطارف، إلى جانب توافد جماهيري لافت، منح الأسبوع الثقافي بعدًا تفاعليًا تجاوز حدود العرض التقليدي للتراث.
الشعر الشعبي.. الجنوب يروي ذاكرته بالكلمة
وفي موازاة الحرفة والفنون الشعبية، حضرت الكلمة باعتبارها وعاءً أساسيًا للذاكرة. وشارك عميد الشعر الشعبي الشيخ بودراع والشاعر لقدوعي عبد العالي في الفقرات الشعرية، ضمن برنامج تضمن كذلك ندوات فكرية وأمسيات شعرية وأدبية.
أما الموسيقى، فحضر فيها المايسترو محمد الطلحاوي رفقة فرقة الفن والفولكلور للموسيقى، التي أسهمت في تقديم صورة فنية عن البيئة الصحراوية وإيقاعاتها وتقاليدها الموسيقية.
من التراث إلى الفن المعاصر
ولم تختزل المنيعة حضورها في استعادة الماضي، بل حرصت على تقديم وجهها الفني المعاصر أيضًا، من خلال مشاركة الفنانين التشكيليين غريب يحي، أولاد علي فاطمة الزهراء، وبودية مصطفى، بما يعكس تعدد أشكال التعبير الفني داخل الولاية.
كما سجل المسرح حضوره من خلال الفنان المسرحي دويدة أحمد بالة، إلى جانب بلمشرح السعيد الذي قدم المسرحية الثورية «القائد عبد الله»، مضيفًا إلى التظاهرة بعدًا سرديًا يربط الفن بالذاكرة الوطنية.
وفي الجانب التنظيمي والتواصلي، ساهمت زرمان لمياء في تنشيط فعاليات الحدث باللغة الإنجليزية، إلى جانب الصياد حورية، حيث ظهرتا باللباس التقليدي للمنيعة، في صورة جمعت بين الانفتاح على أدوات التواصل الحديثة والحفاظ على ملامح الهوية المحلية.
الكتاب حاضر.. لأن الذاكرة لا تُحفظ بالصور وحدها
ولأن الثقافة أوسع من الرقص والفلكلور والحرفة، حضرت الكاتبة غريب وريدة من خلال معرض للكتب وتقديم إصدارها الجديد «دائمًا هناك فرصة أخرى».
وتمنح هذه المشاركة للحدث بعدًا أدبيًا وفكريًا، يؤكد أن الموروث لا يُصان فقط عبر الأزياء والأدوات والاحتفالات، وإنما أيضًا من خلال الكتابة والتوثيق والإبداع الذي يحول التجربة الإنسانية إلى ذاكرة قابلة للانتقال بين الأجيال.
المتحف العمومي الوطني بالمنيعة.. الذاكرة تغادر جدرانها
كما شارك المتحف العمومي الوطني بالمنيعة بجناح خاص أشرفت عليه بن ساسي نوال، ممثلة المتحف، في خطوة تعكس الدور الذي تضطلع به المؤسسة المتحفية في حفظ الموروث وتوثيقه والتعريف به.
وتكتسب المشاركة أهمية إضافية لأنها تنقل عمل المتحف من فضائه المؤسساتي إلى فضاء التبادل الثقافي، بما يسمح لجمهور جديد بالتعرف على جوانب من الذاكرة التاريخية والثقافية للمنيعة.
الطارف: التبادل الثقافي يتجاوز حدود التظاهرة
من جهته، أكد محمد سليم بوريب، محافظ المهرجان الثقافي للفنون والثقافات الشعبية لولاية الطارف، أن تنظيم الأسبوع الثقافي يندرج ضمن رؤية تجعل من التبادل الثقافي وسيلة للتعريف بالموروث المحلي لمختلف ولايات الوطن، وفتح المجال أمام الجمهور لاكتشاف تنوع الثقافات والتجارب الفنية الوطنية.
ويحمل هذا الطرح دلالة تتجاوز تنظيم موعد ثقافي ظرفي، نحو بناء جسور أكثر استمرارية بين الفنانين والحرفيين والكتاب والفاعلين الثقافيين، وإتاحة الفرصة أمامهم لتقديم تجاربهم خارج دوائرهم المحلية.
القالة تفتح نافذة السياحة أمام الوفد المنيعي
ولم يتوقف التبادل عند حدود العروض الفنية، إذ تضمن البرنامج خرجات لاكتشاف عدد من المعالم السياحية والأثرية بولاية الطارف، لاسيما بمدينة القالة.
وهنا اتخذ التبادل الثقافي اتجاهين متكاملين: المنيعة قدمت للطارف جزءًا من ثقافتها الصحراوية، والطارف فتحت للوفد المنيعي نافذة على رصيدها السياحي والتاريخي.
وهو ما يجعل مثل هذه التظاهرات فضاءً يمكن أن يربط الثقافة بالسياحة، ويحول التعارف بين الولايات إلى فرصة لاكتشاف المقومات الطبيعية والتاريخية والثقافية لمختلف مناطق الجزائر.
الثقافة.. جسر داخلي لوطن متعدد الذاكرات
تكشف تجربة الأسبوع الثقافي لولاية المنيعة بالطارف أن قوة الثقافة الجزائرية تكمن في قدرتها على الجمع بين الاختلاف والتنوع. فمن القصر القديم وزربية المنيعة والقربة والشكوة والملحفة والبرنوس والشاش، إلى البارود والدندون والشعر والموسيقى والمسرح والفن التشكيلي والكتاب، حمل الوفد المنيعي صورة متعددة الأبعاد عن ثقافة الجنوب.
وفي المقابل، احتضنت القالة هذه الذاكرة ووفرت لها فضاءً للتفاعل مع جمهور جديد.
وبين تأكيد ياسين العابد على ضرورة التعريف بالخصوصية الثقافية للمنيعة وموروثها الصحراوي، وتشديد محمد سليم بوريب على أهمية التبادل الثقافي في إبراز ثراء الموروث الجزائري، تتضح فلسفة التظاهرة: الثقافة ليست مجرد عرض للتراث، وإنما وسيلة لبناء التواصل بين الجزائريين واكتشاف بعضهم البعض.
وهكذا، تحولت المسافة الجغرافية بين المنيعة والقالة إلى مساحة للحوار الثقافي، وأصبح شعار «لكل ولاية حكاية، فن وإبداع» أكثر من عنوان لتظاهرة؛ فهو يعكس صورة جزائر متعددة الألوان والذاكرات، تتقاطع حكاياتها المحلية في فضاء وطني واحد، عنوانه التنوع ووحدته الثقافة.
الهوصاوي لحسن
